نشرات استنار

من قلب الواقع | العدد السابع

أليس لأحلامنا التي ماتت جنائز؟

في كل مؤسسة رجلٌ كان يُقال عنه: سيصبح مهمًا، سيصبح ذا شأن.

جلس في اجتماعاته الأولى وكل العيون تراه وزيرًا محتملًا، كان يمشي في الممر فيوسّعون له الطريق قليلًا، كأنهم يوسّعونه للمستقبل بذاته.

مرّت السنوات.

وصل غيره، ولم يتحرك هو.

 ما زال يحضر الاجتماعات، ويبتسم في الوقت المناسب، ويقول العبارات الصحيحة.

لكن شيئًا فيه بهت كثيرا وانطفأ، المشكلة ليست في أنه لم يصل، ليس من الأقدار مفر.

كلما أحبّ الإنسان شيئًا بصدق، أصبح معرّضًا للحزن عند فقده.

لذلك فالحزن ليس علامة ضعف.

قد يكون دليلًا على أن صاحبه كان منخرطًا في الحياة، قادرًا على التعلق، وعلى منح شيءٍ من نفسه لما هو خارج نفسه.

عند رولّو ماي فكرةٌ تستحق أن تُعلَّق على جدران الموارد البشرية:

القدرة على الحزن جزءٌ من القدرة على الحب. ليس لأن الحزن جميل، بل لأن الطموح ينشحن بالفرح، والإحباط يمر إذا حزنّا بما يكفي ورثيناه كما يليق، والمكاتب مليئة بحبٍّ فقد عناوينه، مشاعر تحتاج أوعية تحملها، تضيع في السراب.

في عام ١٩٨٦ قدّمت هيزل ماركوس وبولا نوريوس مفهوم «الذوات الممكنة» — Possible Selves.

نحن لا نحمل ذاتًا واحدة، نحمل ثلاثًا، بحسب الورقة الأصلية:

الذات المأمولة التي نتمنى أن نصيرها.
والذات المتوقعة التي نظن أننا صائرون إليها.
والذات المخيفة التي نهرب منها.

الوزير المحتمل لم يفقد حلمًا واحدًا، فقد المأمولة والمتوقعة معًا – ولهذا كان انطفاؤه مضاعفًا.

والأخطر مما نظن: الذوات الممكنة عند ماركوس ونوريوس ليست أحلامًا للتسلية، بل حاضنات الدافعية نفسها. هي التي توقظنا باكرًا،  وتشحننا بالشغف، وتجعل الاجتماع الممل محتملًا، والراتب المتأخر ذنبًا مغفورًا.

فحين تموت الذات الممكنة، لا يموت الحلم فحسب، يموت المحرّك الداخلي للمستقبل، وحين يُغلق طريقٌ مهني، نحن لا نخسر منصبًا – نخسر إنسانًا كاملًا كنّا سنكونه.

تمنحك المؤسسة إجازةً مرضية، وإجازات لكل الكوارث، -سلمكم الله جميعا-لكن لا يوجد في أنظمة الموارد البشرية بندٌ: إجازة لوفاة طموح.

يسمّي كينيث دوكا هذا «الحزن المحروم من الاعتراف» — Disenfranchised Grief، ويحدد له ثلاثة أشكال:

علاقة لا يعترف بها أحد. 
أو خسارة لا يعترف بها أحد. 
أو حازنٌ لا يُعترف بحقه في الحزن أصلًا.

خسائر العمل تدخل من الباب الثاني: الترقية التي ذهبت لغيرك، المشروع الذي أُلغي بسطرٍ في إيميل، الفريق الذي بنيتَه ثم تفكك. وفيّات صغيرة تحدث في وضح النهار، ولا يقف لها أحد دقيقة صمت.

أما القادة، فيدخلون من الباب الثالث، «المدير لا يحزن» — هكذا تقول الثقافة بلا أن تكتبها في أي لائحة، فكلما ارتفع منصبك، اتسعت خسائرك، وضاق حقك في رثائها.

مليار دولار سنويًا

كلفة الحزن غير المدعوم على إنتاجية الشركات الأمريكية، بحسب تقديرات معهد Grief Recovery Institute – والدراسة لم تحصر الحزن في الموت، بل شملت خسائر الحياة الأخرى.

*أحب توسع الأمريكان في تحويل المفاهيم المجردة لأرقام*

في مقالته «الحداد والسوداوية» فرّق فرويد بين حالتين فالرثاء عنده عملٌ نفسي — Trauerarbeit — يُنجَز «قطعةً قطعة»: كل ذكرى تُستدعى وحدها، تُعاش وحدها، ثم تُفصل عن المفقود وحدها. لهذا لا يكتمل الرثاء في عطلة نهاية أسبوع، ولا يُختصر بجمل تحفيز، أما الحزن الذي لا يتم العمل عليه فلا يختفي، يغيّر شكله فقط، يصبح:

تهكّمًا في الاجتماعات.
 «جرّبنا هذا من قبل ولم ينجح».
يصبح ذلك الوجه الذي يحضر بجسده وقد غادر منذ سنتين.

وليس مصادفةً أن كريستينا ماسلاخ جعلت «التهكم» بُعدًا مركزيًا من أبعاد الاحتراق الوظيفي، لكن النقطة التي تفوتنا: التهكم عندها آلية حماية-مسافة عاطفية يضعها الموظف بينه وبين عمله كي لا يُجرح مرة أخرى، أي أن التهكم ليس نقيض الشغف والاحترام، التهكم حبٌّ اتخذ وضعية دفاعية.

في عام ١٨٨٠ رسم أرنولد بوكلين لوحته «جزيرة الموتى»، ماءٌ ساكن، جزيرة صخرية يحرسها السرو، وقاربٌ صغير يعبر، فيه تابوت، وخلفه شخص واقفٌ ملفوف بالأبيض، اللوحة ليست عن الموت، هي عن مرافقة الميت إلى مثواه.

طلبتها منه أرملةٌ أرادت «لوحةً تحلم أمامها»، فرسمها بوكلين — ثم أعاد رسمها خمس مرات عبر السنوات، حتى الرسّام احتاج أن يكرّر الرثاء، لأن الرثاء ليس حدثًا يقع مرة، بل عملٌ يُعاد حتى يكتمل.

ولم تكن لوحةً للنخبة،كتب نابوكوف أن نسخًا منها كانت تُعلَّق في كل بيتٍ برليني تقريبًا مطلع القرن العشرين – لوحة رثاء صارت أثاثًا منزليًا، كأن أوروبا كلها كانت تعرف أنها تحتاج أن تنظر إلى حزنها كل صباح.

وفي عام ١٩٠٨ ألّف رحمانينوف قصيدته السيمفونية «جزيرة الموتى» مستوحاةً منها،والمفارقة أنه رآها أول مرة بالأبيض والأسود، وقال لاحقًا: لو رأيت الألوان أولًا، لما ألّفت شيئًا.

أحيانًا نحتاج أن نجرّد خسارتنا من ألوانها، من تفاصيلها وأسمائها ووجوهها، لنستطيع أخيرًا النظر إليها.

والوزير المحتمل في مطلع هذه النشرة يحتاج هذا القارب تحديدًا، يحتاج أن يضع الحلم في تابوت،أن يرافقه، أن يقف أمامه ملفوفًا بالصمت ويودعه ثم يعود بخفة للحياة، لأن القارب في اللوحة سيعود فارغًا، وهنا سرّها كله:

من يودع أحلامه المتوفاة يعود خفيفًا، ومن لا يرافقها، يحملها على ظهره إلى كل اجتماع.

هل يبدو الرثاء ترفًا لا مكان له بين مؤشرات الأداء؟

بعض المؤسسات بدأت تمارسه فعليًا، وتسميه «جنازات المشاريع» — Project Funerals: اجتماع أخير للمشروع الملغى، لا لتشريح الفشل، بل لثلاثة أشياء فقط: أن يُروى ما تعلمناه، وأن يُشكر من بنى، وأن يُعلن الموت رسميًا.

شركات تصميم مثل IDEO تقيم هذه الطقوس عمدًا، لأنها فهمت المعادلة: المشروع الذي لا يُدفن رسميًا، يبقى شبحًا يطارد كل مشروع جديد.

الطقوس ليست عاطفةً زائدة، الطقوس هي الطريقة الوحيدة التي عرفها البشر لإقناع القلب بما عرفه العقل.

العرب فهموا هذا قبل علم النفس بقرون، فجعلوا الرثاء فنًّا قائمًا بذاته. الخنساء لم يخلّدها فرحها ،خلّدها حزنها حين وجدت له كلمات، أما مكاتبنا الحديثة فلا تعرف الرثاء.

تعرف فقط: «الخطوة التالية»، و«صفحة جديدة»، وmove on.

فتمتلئ الطوابق بأحلامٍ ميتة لم تُدفن، تتجول بيننا في هيئة موظفين حاضرين غائبين.

ما الحلم المهني الذي دفنتَه دون جنازة؟

في دورة حب الذات للمحللة النفسية ميراي فرانسيس، تتحدث عن أهم ما يمكن أن ترثيه وتعود للحياة. رثاء الطفولة جيدًا، صورة الأب المؤمن بك والداعم لك، والأم التي تقبل دون شروط.. قد تظن الأمر تافهًا، لكنه الأساس الذي يشحن أحزانك وأفراحك هذا اليوم. تتضمن الدورة كتيب تمارين لتعمل وحدك على ذلك بكل خصوصية — تساوي الدورة تقريبًا ٤ جلسات نفسية من ناحية الوقت للعمل عليها والتدريبات.



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *