نشرات استنار

من قلب الواقع | العدد السادس

هل تجمّدت أسواق السدحان معرفيًا؟

في لوحة سلفادور دالي إصرار الذاكرة (1931)، تذوب الساعات على أغصان الشجر وحوافّ الصخور. القراءة الشائعة أنها لوحة عن هشاشة الزمن. لكن القراءة الأدق -والأقرب لعنوانها – أنها عن بؤس الذاكرة ومرور الزمان، عن الاجترار، وقسوة الفناء، عن معنى يحمله دالي ولا نفهمه جيدًا ولكنه يستوقفنا.

هذا بالضبط ما خشيه سقراط قبل ألفين وأربعمئة سنة.

في محاورة فايدروس، يطرح أفلاطون على لسان سقراط اعتراضًا على الكتابة: أنها ستُضعف الذاكرة، وتحلّ «الاتكال على الرمز -يقصد الحروف والكلمات- محل «المعرفة الحقيقية» المختزنة في العقل. الاعتراض لم يكن غير منطقي في سياقه، لكنه قاس تقنية جديدة بمعيار تقنية قديمة، فبدت كل فجوة بينهما خسارة، رأى الساعة تذوب، ولم يرَ أن الزمن مستمر والذي يذوب هو نحن، نفس البنية المنطقية تتكرر اليوم حول الذكاء الاصطناعي، لكن في موقع غير متوقع: ليس عند الموظفين، بل عند القيادة.

الافتراض الشائع هو أن مقاومة التغيير التنظيمي مصدرها الموظفون. البيانات تصحح هذا الافتراض جزئيًا. تشير أبحاث ماكنزي إلى أن نحو 70٪ من مبادرات التغيير التنظيمي تفشل في تحقيق أهدافها، وأن السبب الرئيسي مزيج من مقاومة الموظفين وغياب دعم الإدارة. «غياب دعم الإدارة» هنا متغير مستقل، لا نتيجة ثانوية.

30٪ فقط من مبادرات التغيير التنظيمي تصل إلى النجاح وفق مسوحات ماكنزي العالمية.
74٪ من القادة يرون أنهم يُشركون الموظفين في بناء استراتيجية التغيير، بينما 42٪ فقط من الموظفين يشعرون بذلك فعليًا.
تبني مبادئ تغيير أكثر انفتاحًا يرفع احتمالية النجاح من 34٪ إلى 58٪.

الفجوة بين تصوّر القيادة لسلوكها وسلوكها الفعلي هي نفسها موضوع القياس في علم النفس العمل تحت مسمى «التحيز الإدراكي للذات» (self-serving perception bias)، وهي ليست خاصة بالذكاء الاصطناعي، لكنها تتضح بشكل أكبر عند إدخال تقنية تُعيد توزيع من يملك المعرفة داخل المؤسسة.

علم الاقتصاد السلوكي يقدّم إطارًا لتفسير هذا النمط عبر مفهوم «تحيز الحالة الراهنة» (status quo bias)، الذي صاغه ساميولسون وزيكهاوزر: ميل بنيوي للحفاظ على الوضع القائم ومقاومة أي فعل يقود إلى تغييره، بصرف النظر عن جدارة البديل.

آليتان تُفسّران هذا الميل:

النفور من الخسارة (loss aversion): الأبحاث النفسية تُظهر بثبات أن الخسائر تُقاس وزنًا نفسيًا يقارب ضعف وزن المكاسب المعادلة لها، وهو ما يجعل أي تغيير، حتى لو كان موضوعيًا أفضل، يُقيَّم كخسارة محتملة قبل أن يُقيَّم كفرصة.
أثر الامتلاك (endowment effect): ما هو موجود بالفعل يُقدَّر أعلى من قيمته الموضوعية، لمجرد كونه مملوكًا، وهو نمط يظهر بوضوح في موقف مجالس الإدارة من تقنيات جديدة كالذكاء الاصطناعي، حيث يُضاف إليه نقص في الإلمام التقني يرفع من حدة التردد.
هذان العاملان لا يستهدفان الموظف وحده. هما أكثر فعالية كلما ارتفع مستوى القرار، لأن حجم ما يُعتقد أنه «مملوك» – السلطة، المكانة، الخبرة المتراكمة – يكبر مع المنصب.

الأدبيات الإدارية تصف ظاهرة موازية تحت مسمى «الجمود المعرفي» (cognitive inertia): صلابة ذهنية تمنع القياديين من إعادة تقييم معتقدات أو استراتيجيات راسخة، وهي بارزة بشكل خاص في القيادة، حيث يتأثر القرار بتراكم الخبرة السابقة والثقافة التنظيمية والتحيزات الشخصية.

من زاوية تنظيمية، هذا يعني أن خبرة القائد المتراكمة، التي تُبنى عليها شرعيته داخل المؤسسة، تصبح هي نفسها العائق أمام تبني أداة تُعيد توزيع تلك المعرفة على نطاق أوسع.

مثال حي — أسواق السدحان📌

ظهر رئيس أسواق السدحان في حوار عن أفول الهايبر ماركت، تحدث من خلال التعريف الحقيقي المناقض للجمود المعرفي: قفز لتغييرات استراتيجية قبل الأفول التام للسوبرماركت، حول العلامة التجارية لسبار واعتمد على التطبيقات، قفز من السفينة الغارقة للقطاع.

في مفردات دالي: الصلابة المعرفية هي إصرار على أن تبقى الساعة صلبة في عالم لا يمكن فيه للزمن إلا أن يذوب.

الكتابة لم تُضعف الذاكرة البشرية؛ أعادت توزيع وظيفتها. وساعات دالي الذائبة لم توقف الزمن؛ جرّدته من شكله المألوف فقط. الذكاء الاصطناعي، بالقياس نفسه، لا يُهدد القيادة كوظيفة، بل يُهدد نموذجًا محددًا منها: النموذج الذي يستمد شرعيته من احتكار المعرفة لا من جودة القرار بالنسبة للأحداث.

السؤال العملي لكل مؤسسة ليس «هل نتبنى الذكاء الاصطناعي؟»، بل: من داخل القيادة يقاوم هذا التغيير؟ وهل المقاومة مبنية على تقييم موضوعي، أم على الآليات النفسية الموصوفة أعلاه؟

يساعدك هذا المقياس على اكتشاف أبرز عوائق اتخاذ القرار المهني، مثل العصابية، قلق الالتزام بالاختيار، عدم الاستعداد، والصراع بين الأشخاص.
من خلال تحليل علمي دقيق، ستحصل على فهم أعمق لنمط تفكيرك عند اتخاذ القرار، مما يمكّنك من تعزيز الكفاءة الذاتية واتخاذ قرارات مهنية أكثر وعيًا وثقة.

عنوان اللوحة لم يكن ذوبان الذاكرة، بل إصرارها. الذاكرة تستمر- السؤال فقط: في أي وعاء.

كل اجتماع تخطيط استراتيجي تؤجل فيه مواجهة هذا السؤال، ستتسع الفجوة بين المؤسسات التي أعادت توزيع معرفتها والمؤسسات التي حافظت على المركزية، والفجوة؛ حين تتسع كثيرا لا ندفنها، نستبدلها مثل المؤسسات والأشخاص الصعبين، المرونة خير للجميع.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *