نشرات استنار

من قلب الواقع | العدد الثامن

المشهد:

موناكو، ١٩٥٥.

أمير شاب يرث إمارة صغيرة.

مساحتها أقل من ميلين مربعين.

سمعتها: كازينو متعب، وخزينة مهددة.

اسمه رينييه الثالث.

وكان يريد شيئًا واحدًا: أن يغيّر قصة دولته الصغيرة

في تلك السنوات، كانت الريفييرا الفرنسية تستقبل كاميرات هوليوود، وكانت غريس كيلي قد صوّرت هناك فيلمها مع هيتشكوك قبل عام.

ثم جاء مهرجان كان، مايو ١٩٥٥.

أصر صحفيو “باري ماتش” على التقاط صورة للمثلة الجميلة مع الأمير الوسيم، هذي الصور تغذي خيال وأحلام الناس بالرومانسية والجمال والثراء، دور الصحافة هو تغذية هذي الأحلام-ألحّوا على ترتيب لقاء بين الأمير والنجمة في قصره.

كاد اللقاء أن يُلغى أكثر من مرة.

لكنه تم-صورة واحدة.

وبعد أقل من عام: زواج القرن، أبريل ١٩٥٦.

ثم تحولت موناكو من كازينو على البحر إلى أسطورة عالمية.

السؤال ليس: كم كان الحظ جميلًا؟

مهرجان. صحافة. سينما. مجتمع مهني كامل صُمم ليجمع من لا يجتمعون.

الأمير لم يقابل غريس صدفة.

قابلها لأن إمارته قررت أن تجلس على طاولة أكبر منها.

عام ١٩٧٣ نشر عالم الاجتماع مارك غرانوفيتر ورقة قلبت فهمنا للفرص:

درس كيف يجد الناس وظائفهم فعلًا.

والنتيجة كانت صادمة:

الفرص الكبرى لم تأتِ من الأصدقاء المقربين.

جاءت من المعارف البعيدة.

زميل قديم. صديق صديق. وجه من مؤتمر.

التفسير بسيط ومزعج:

دائرتك القريبة تعيش عالمك نفسه.

تقرأ نفس ما تقرأ..تعرف ما تعرف.

أما الروابط الضعيفة فهي جسور إلى عوالم لم تدخلها بعد.

الكوميونتي ليس رفاهية اجتماعية غير ضرورية -إنه بنية تحتية للطموح.

في تكساس، برنامج اسمه PEP يعلّم السجناء ريادة الأعمال.

ليس محاضرات فقط.

بل مجتمع حقيقي: سجناء ورجال أعمال ومديرون تنفيذيون على طاولة واحدة.

النتيجة؟

نسبة العودة إلى الجريمة لدى خريجيه أقل من ١٠٪،

بينما تقارب النسب المعتادة النصف.

لم يتغير السجن.

تغيرت الطاولة التي يجلس عليها الناس.


وقبل ثلاثة قرون، في لندن، كان رجل اسمه إدوارد لويد يدير مقهى صغيرًا قرب الميناء.

تجّار وربابنة وممولون يتبادلون أخبار السفن على القهوة.

من تلك الطاولات وُلدت “لويدز” — إحدى أعرق مؤسسات التأمين في العالم.

مؤسسة عمرها أكثر من ثلاثة قرون بدأت… بفناجين قهوة.

والدول فهمت الدرس:

باريس بنت “Station F” — أكبر حرم للشركات الناشئة في العالم.

سنغافورة صممت منظومة كاملة تخلط الباحث بالمستثمر بالمشرّع.

والمملكة اليوم تبني الشيء نفسه: مسرعات، وحاضنات، ومنصات تجمع من لا يجتمعون.

الصدفة لم تعد تُنتظر، صارت تُهندس.. هل أنت على صعيد شخصي لا تزال تنتظر؟

والآن انظر حولك في الرياض وخارج الرياض، المقهى المختص لم يعد مكانًا للقهوة.

صار “المكتب الثالث”: لا بيت، ولا شركة.

مساحة محايدة يجلس فيها مؤسس شركة ناشئة بجانب مستثمر،

دون موعد، ودون تسلسل هرمي.

هذه الأرقام لا تصف مشروبًا.

تصف بنية اجتماعية جديدة تُبنى فنجانًا فنجانًا.

وهذه ليست ظاهرة مستوردة فالعرب شربوا القهوة أصلًا في المجالس، لتُدار بها الأحاديث وتُعقد بها المودات.

المقهى المختص ليس ابتكارًا غربيًا يزورنا.

إنه جذر قديم يعود بثوب جديد.

ومستقبله في الرياض أبعد من الفنجان:

مقاهٍ تُصمم عمدًا كمنصات لقاء.

جلسات تحميص تتحول إلى جلسات تعارف.

أركان عمل تتحول إلى شبكات.

قبل غرانوفيتر بقرون، فهمها العرب، سوق عكاظ هو أوسع شكل معارض في التاريخ العربي.

كان منصةً للشعر، والجاه، والتحالفات، وفضّ النزاعات.

القبيلة التي تحضر عكاظ لا تبيع إبلًا فقط.

ترفع سقفها.

تُسمع صوتها.

تجلس على طاولة الجزيرة كلها.

العرب لم يسمّوها “شبكة علاقات”.

سمّوها الموسم.

السؤال الرمادي:
عدّ الأشخاص الخمسة الذين جلست معهم هذا الشهر خارج العمل والبيت.
هل يعرفون شيئًا لا تعرفه؟
أم أنهم مرآة لما تعرف أصلًا؟

أربعة عشر شخصًا: ممثلون، وتجار، وصحفيون، وخياطة شابة، وابن صاحب المطعم.

طبقات باريس كلها على طاولة واحدة.

وفي زاوية اللوحة، فتاة تلاعب كلبًا صغيرًا.

اسمها ألين شاريغو.

ستصبح بعد سنوات زوجة الرسام نفسه.

تصور نظرية غرانوفيتر بالألوان:

الطاولة المفتوحة تغيّر المصائر –

حتى مصير من يقف خلف الفرشاة.

موناكو لم تكبر لأن أميرها حالم.

كبرت لأنها بنت غرفة يلتقي فيها من لا يلتقون.

والسؤال الذي يخصك أنت:

كم فرصة مرت من جانبك هذا العام…

لأنك لم تكون في الغرفة الصحيحة؟

الشبكة التي لا تبنيها اليوم، يبنيها غيرك الآن.

والطاولة التي لا تجلس عليها، تُوزَّع مقاعدها دونك.

نعمل على ألا تُوزَّع المقاعد دونك.

دورة “المسار المهني” تعلّمك كيف تبني شبكتك قبل أن تحتاجها  

Hajer Alqaydy


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *