بيئة العمل والثقافة

بيئة العمل الحديثة والإرادة المسلوبة

غالباً ما يُصوّر العمل في صورة وحش يلتهم الأرواح، ويُحكى عن المدير في صورة خصم يومي تدور معه معارك صامتة. هذه قراءة مبسطة لموضوع أكثر عمقًا وقسوة. فالعمل في حقيقته هو أحد أنبل تعبيرات الوجود الإنساني، مرآة دقيقة تكشف من نكون، أو ما كان يمكن أن نكونه، قبل أن يتسلل الإكراه إلى الداخل ويعيد تشكيلنا بصمت.

 

المشكلة الحقيقية لا تكمن في غياب العمل، رغم كل ما تقوله المؤشرات الاقتصادية عن «البطالة» وضرورة خفضها. فالصراع الأعمق يكمن في الحضور القسري داخل العمل. أن تكون موجودًا في مكان لا تختاره، تقدم وقتا لا تملكه، تؤدي أفعالًا لا تنبع برضا كامل منك، ستكرر هذا حتى تتآكل قدرتك على الشعور بأنك صاحب قرار، ومع الوقت، تتحول لكائن يؤدي بدقة، يلتزم، يستجيب، وينفذ، دون أن يشعر أن شيئًا مما يفعله يخصه، هذا ما نسميه هنا بقهر الإرادة، أن تُسلب منك القدرة على أن تريد، ثم يُطلب منك أن تستمر بكفاءة.

اتسع سوق العمل، تضاعفت أعداد الموظفين، دخلت المرأة بشراسة، ارتفعت الإنتاجية، وتزايدت المؤشرات التي توحي بالتقدم، في المقابل، يتضخم شعور داخلي بالفراغ، كأن كل هذا الامتلاء الخارجي لا يلامس جوهر الإنسان. هنا يظهر سؤال تأملي وجيه: لماذا ينهار البعض من الداخل، بينما يتكيف آخرون وكأنهم محصنون من هذا الشعور؟

أحد زوايا النظر لهذا الموضوع تقول، أن التحمل عائد لتوفر ثلاثة شروط داخلية تشكل أساس التجربة الإنسانية السليمة في العمل:

الاستقلالية      البراعة          الارتباط

  • الاستقلالية ليست رفاهية نفسية، إنها جوهر الشعور بالحياة. أن يكون للفعل مصدر داخلي، أن تنبع قراراتك من مركزك أنت، لا من خوف، ولا من إملاءات، ولا من صورة مفروضة عليك من حولك، حين تُنتزع هذه القدرة منا، يتحول الإنسان إلى آلة منفصلة بلا إحساس حقيقي بالمعنى.
  • البراعة ليست وسيلة للترقية، إنها فعل وجودي، الإنسان بطبيعته يسعى لإتقان ما يفعله، لترويض المجهول، للاقتراب من شعور الكفاءة. هذا الشعور يمنحه ثقة هادئة، إحساسًا بأنه قادر على التكيف مع التحولات دون أن يتفكك. حين يُختزل الإتقان في أرقام وتقييمات، يفقد معناه الأعمق، ويتحول إلى عبء إضافي.

  • الارتباط حاجة لا يمكن التفاوض عليها. الإنسان لا ينمو في عزلة، ولا يزدهر في بيئة يشعر فيها أنه مهدد أو مستبدل. وجود علاقات حقيقية داخل العمل، شعور بأنك مرئي ومقبول، يحوّل التجربة من صراع فردي إلى رحلة مشتركة. في غياب هذا البعد، يتضاعف الشعور بالغربة حتى في أكثر الأماكن ازدحامًا.

بناء هوية مهنية صلبة لا يحتاج قفزات حادة ولا استعراضات تطويرية. يحتاج وضوحًا داخليًا شديد الدقة، يتبعه التزام يومي صغير، يتراكم بصبر. هذه الخطوات الهادئة تبني ثقة لا تعتمد على تصفيق الآخرين، ثقة مستقرة في الداخل، قادرة على الصمود أمام النقد والتقلبات.

تقرير المصير ليس إطارًا نظريًا يُدرّس، إنه استعادة تدريجية لحق الإنسان في أن يكون حاضرًا في ما يفعل, أن يتعلم بدافع داخلي، أن يتقن بدافع داخلي، أن يرتبط بدافع داخلي.

عندما يتوقف السعي المحموم لإثبات الذات عبر المقارنة، ويبدأ الفعل من امتلاء داخلي هادئ، يتغير معنى العمل بالكامل. لا يعود ساحة استنزافا  واحتراقا، يتحول إلى مساحة ظهور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *