السوق: ساحة الحياة
“دلوني على السوق”، قال هذه الجملة الصحابي عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه عندما هاجر إلى المدينة، وعرض عليه أخوه الأنصاري سعد بن الربيع أن يتقاسم معه ماله، رفض عبد الرحمن رضي الله عنه ذلك بلطف وقال جملته الشهيرة “دلوني على السوق”، فذهب إلى سوق يهود بني قينقاع وباع فيه سمناً وإقطاً – منتجات بادية المدينة المنورة إلى الآن – ثم تابع تجارته حتى صار من أكبر أغنياء العالم الإسلامي، فكيف لهذا الرعيل الأول هذه العلاقة الطبيعية مع السوق؟ علاقة لا تعامل السوق كمكان مبتذل ولا مقدس! دون إفراط أو تفريط! إنه مشهد يؤكد مكانة السوق العادلة في صدر المدينة.
الأسواق لكل مدينة هي ساحات الحياة فيها، يجتمع الناس ويتأملون بعضهم بصمت أو يتبادلون تحايا طفيفة، دون حاجة لحوارات عميقة؛ يفهم الإنسان في السوق كل شيء: مكانته الاجتماعية، قيمته وقيمة الآخرين وقيمة البضائع، اتجاه العصر الذي هو فيه، قوانين المجتمع، يبني المزيد من الأحلام لما يرغب بشرائه، ثم يخرج محملاً بآمال السعي والرغبة في الحياة.
تشتعل الحياة والخيالات داخلنا في السوق، وهذا ليس مجرد شعور شخصي، بل حقيقة تؤيدها الدراسات النفسية التي تربط التسوق بتدفق هرمونات السعادة، مما يجعله وسيلة آمنة للتوازن العاطفي.
إلى هنا والأمر طبيعي والتسلسل مقبول، ثم تحول السوق من مكان نذهب إليه بأجسادنا إلى أسواق الدنيا بين يدينا حالا بالا، وتحولت الأموال من المحافظ التي نرصها فيها إلى ضغطة زر واحدة ثم يقرع الباب المندوب ويناولنا كل السوق. في ذاك السوق القديم وفي هذا السوق الجديد؛ مظاهر الإنفاق القهري هي نفسها على مر الزمان: هناك من يستبقي ماله بحكمة، وهناك من يعيش تحت الديون مهما ارتفع دخله، لم يتغير في سلوك البشر المالي شيء كثير، بل زادت الإغراءات الرقمية من خطر الوقوع في فخ الإنفاق العبثي، تقول استطلاعات حديثة أن التسوق عبر الإنترنت يزيد من معدلات الشراء الاندفاعي بنسبة تصل إلى 30% مقارنة بالتسوق التقليدي.
الشراء القهري، لماذا يعيش الغني فقيراً؟
يلفت نظري سلوك متكرر بعد الانفصال لكلا الزوجين: عمليات تجميل للنساء وسيارات جديدة للرجال، وكأن هذا القرار يمثل تشكيلاً جديداً لهوية الإنسان. في عملية التجميل تنزع المرأة أو تضيف أجزاء لجسدها أو وجهها لتقول بكل وضوح أنها ستقدم كمال الجمال كهوية جديدة، ويشتري الرجل سيارة تعكس قدرة مالية أكبر، أو سيارة رياضية تعكس لياقة وصحة وروحا أكثر حيوية، كلاهما أنفق مالاً طائلاً ليحارب شعوراً يشبه شعور الرفض – وقد يكون شعوراً مختلقاً وغير صحيح تماماً – يحاول الإنسان بعد هذا التغيير الضخم أن يقنع نفسه أولاً والعالم ثانياً، أنه مستحق لكامل الحب وخالٍ من العيوب.
هذا المثال، رغم كونه متطرفاً، مدعوم بدراسات نفسية تشير إلى أن النساء يواجهن انخفاضاً في الدخل يصل إلى ضعف ما يواجهه الرجال بعد الطلاق، مما يدفعهن إلى إنفاق تعويضي لاستعادة الثقة، بينما يلجأ الرجال إلى رموز القوة مثل السيارات لمواجهة احتمال الهشاشة العاطفية والحصول على المزيد من الحجم والامتداد في الأرض بتكبير أسطول السيارات.
هذا الشعور بالجرح النرجسي في الرفض المتخيل-ليس الحقيقي- هو من أنكى المشاعر التي يقاومها الإنسان بالشراء القهري، فكلما خابت علاقته بالعمل والعائلة والأصدقاء، كلما هرب من الواقع بخيالات وتصاوير وهمية يبعد عن نفسه بها ألم الواقع الغير مرضي عنه، تتحول علاقته بالبضائع والممتلكات لملاذ مؤقت يؤدي إلى ورطات أكثر شناعة.
ما هو الشراء القهري؟
يعرف الشراء القهري أو إدمان الشراء بأنه انشغال مستمر بالشراء وفكرة الشراء من خلال نوبات شراء اندفاعية أو سلوك قهري مفاجئ، يشبه نوبات الشراهة في الأكل، تشير الأبحاث لوجوده مرافقاً للاكتئاب أو القلق، ورغم أنه مصطلح حديث نسبياً إلا أن كل أنواع الإدمانات تشترك في السبب العاطفي. مهما تعددت أسباب الإدمان فالشعور خلف ذلك هو الفراغ، أو الإحباط أو الفقد أو الرفض –ويوقفها مؤقتا الإدمان أياً كان.
ذكر موضوع الشراء القهري لأول مرة في كتاب “التدهور البشري” للطبيب النفسي الفرنسي ماغنان في القرن الثامن عشر، فكرته كانت أن الأمم تصل لترف يؤدي للتدهور والانحطاط، وأن الاندفاع الشرائي يعد أحد أعراض هذا التدهور، ويا لها من مبالغة في وصف سلوك إنساني ليس غريباً أبداً، لأنه لا يوجد شيء يفعله الإنسان غريب على الإنسان. لكن على صعيد شخصي وليس قومي؛ نعم! الشراء القهري قد يدلل على اضطرابات الشخصية أو المشكلات النفسية، وتشير الأبحاث أن نسبة تواجده عند الناس هي ما بين 3% إلى 18%، مع انتشار أعلى بين النساء بنسبة تصل إلى 80% في بعض الإحصاءات.
لماذا نفعل ذلك؟
- ضعف التأييد الأسري، أو ضعف الصوت داخل الأسرة، يشعر الإنسان أن أفكاره لا تناسب أحداً فيدخل في عالم التسوق حراً ومستقلاً، توجد أبحاث تربط بين الشعور بالعزلة الأسرية وزيادة الإنفاق الاندفاعي.
- خلل في الوظائف التنفيذية أو الإدراكية للدماغ كالذي يحدث أحياناً عند التقدم في العمر، مما يضعف السيطرة على الدوافع.
- الاندفاع القهري الملحّ المرافق للكثير من الاضطرابات مثل اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه.
- سلوك تعويضي لمقاومة الأزمات النفسية، نحن لا نرمم خسائرنا الكبرى إلا بتعويض نفسي كبير، الاندفاع يجعل الشراء تعويضاً سريع المفعول، هذا يفسر ارتباطه بالاضطرابات المزاجية بنسبة تصل إلى 68%.
- ضعف تقدير الذات، والد المشكلات جميعها، يسهم التصور المتدني للذات مقارنة بالآخرين في جعل الإنسان فاقداً للبوصلة الشرائية.
- النزعة المادية المجتمعية، يستجيب الإنسان لإلحاح التسويق تحت تأثير اجتماعي يتغير بتغير المجتمعات، وهذا مدعوم ببحوث حول العالم تظهر أن الإعلانات وتغيير أماكن العيش تزيد من خطر الإدمان الشرائي.
هذه بعض الأسباب وليس كلها، لكن يكفي من السلوك التعرف عليه ومراقبته، ومن ثم العثور على وسائل الضبط الذاتي التي يستعيد فيها الإنسان رضاه عن نفسه ويتحسن تخطيطه المالي، إن تجاهل هذا السلوك يؤدي إلى ديون متراكمة وقلق مستمر، بينما مواجهة السبب الحقيقي يبني استقلالية مالية راسخة.