نشرات استنار

من قلب الواقع | العدد الأول

مدنيين عُزّل في وجه الحياة

ماذا يحدث للرجل حين يفقد منصبه؟

حين يُسأل الرجل: “من أنت؟” يجيب غالبًا بذكر العمل الذي يقوم به. هذا الجواب ليس جديدًا ولا وليد الثورة الصناعية، بل شيء وجدنا عليه آباءنا.

عالمة النفس ماري جاهودا بحثت موضوع فقدان العمل، ووضعت في الثمانينيات نظرية “الحرمان الممنهج”، والتي تقول إن العمل يمنح الإنسان خمسة أشياء لا يدركها إلا حين تُسلب منه:

  1. هيكل زمني لليوم
  2. تواصل اجتماعي إجباري
  3. هدف مشترك مع الناس يتجاوز الذات
  4. مكانة وهوية وموقع في المجتمع
  5. نشاط منتظم وإلزامي

حين يُنتزع الرجل من منصبه، لا يفقد المال فقط، بل يفقد الجواب على كل الأسئلة.

ولهذا كانت دراسة ماري تحاول أن تقول إن إعانات البطالة لا تُصلح الوضع النفسي للبطالة، فالأمر ليس مالًا فقط.

علماء النفس يسمون هذا:

ولا عجب أن يتحدث الناس عن بدء إصابتهم بنوبات الهلع عند أي تهديد بفقدان العمل.

مقالات جيدة ودراسة ماري عن الموضوع:

🔗 The Hidden Psychological Impact of Unemployment — Psychologs

🔗 Employment and Men’s Mental Health — Springer Nature

ما الذي يحدث في الداخل بعد الصدمة؟

المراحل العاطفية بعد فقدان المنصب ليست متتابعة، بل فوضى لها نمط قابل للاستقراء.

يبدأ الأمر بالصدمة والإنكار، ثم الغضب، ثم المساومة والاكتئاب، وأخيرًا — إن كان محظوظًا — تقبل الأقدار.

الأخصائية النفسية أندريا تايلور تكشف أن الرجال يتحملون عبئًا مضاعفًا:
فهم لا يشعرون بالخسارة المهنية فقط، بل يشعرون بأنهم يخذلون من حولهم.

ويُضاف إلى ذلك العار الاجتماعي؛ فبينما يُنظر إلى المرأة العاطلة أحيانًا بتعاطف، تبقى بطالة الرجل في كثير من المجتمعات وصمة صامتة.

دراسة:

“Look at Him… He’s Failing”

التي تتبعت مدراء تنفيذيين أُزيحوا من مناصبهم، رصدت ثلاثة محاور لتهديد الهوية بعد فقدان المنصب:

  1. الشعور بالفشل كمعيل للأسرة
  2. الإحساس بأنه أقل إنسانية
  3. خسارة النجاح كتعريف للذات

وهذا الشعور لم يتحسن، بل استمر حتى بعد العودة للعمل.

عن الغضب، والعار، والحزن الغير منطوق

عن المشاعر التي لا يمكن التعبير عنها بسهولة:

 🔗دراسة أندريا تايلور — “Look at Him… He’s Failing” (ResearchGate)

عالم النفس جوزيف بليك صاغ مصطلح “ضغط دور الجنس” ليصف ما يحدث حين يُدمج الرجل توقعات الذكورة في هويته حتى يصبح غير قادر على التعامل معها. البحث وجد علاقة واضحة بين الالتزام الصارم بالأدوار الذكورية والاكتئاب والقلق والخزي المزمن.

ورغم ذلك، الصحة النفسية للرجال لا تعني نفس الشيء للنساء — حفظ الكرامة وتصميم شكل المساعدة المناسب هو خطوة أساسية.

 دراسة هارفارد

دراسة تتبعت 235 رجلاً من خريجي هارفارد لمدة 71 عاماً وجدت أن شبكات الدعم العاطفي عندهم تضعف مع الوقت. حين سُئلوا: “مع من تتحدث حين تواجه مشكلة شخصية؟” كان جواب كثيرين: لا أحد!

من العمال لم يتحدثوا مع أحد عن صحتهم النفسية بعد الإزاحة — خوفاً من أن يُنظر إليهم كمنهزمين.

ازدراء الذات يتصاعد بالتدريج بعد صدمة فقدان العمل. تشير الدراسات لكون احتمال الانتحار أعلى ما يكون بعد 15–26 أسبوعاً من فقدان العمل!

ما الذي يحتاجونه فعلاً؟

لا يحتاجون نصائح مبكرة ولا تفاؤلاً مصطنعاً. يحتاج أولاً أن يُمنح وقتاً للحزن — الحزن الحقيقي على شيء كان جزءاً من هويته. الحزن ضروري للاعتراف بأي قصة، إنه حداد لا مفر منه على أمر ثمين ضاع منا — أو ضيعناه.

ثم يحتاج — وهذا الأصعب — إلى من يساعده على بناء إجابة جديدة لسؤال “من أنا؟” إجابة لا تعتمد على مسمى وظيفي ولا على منصب.

المعهد الوطني للصحة في المملكة المتحدة أطلق برنامجاً يجمع بين الدعم النفسي والتوجيه المهني — هذا المشروع ضروري جداً عندنا في سنين التغيير المهني المتسارع.

🔗 Job Loss, Identity, and Mental Health — Sage Journals

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *