نشرات استنار

من قلب الواقع | العدد الثاني

الحب والحرب

حين يُسأل الرجل: “من أنت؟” يجيب غالبًا بذكر العمل الذي يقوم به. هذا الجواب ليس جديدًا ولا وليد الثورة الصناعية، بلقد لا نعلم إلى أي درجة نحن نستخدم وهم التحكم بالحياة للشعور بالسيطرة على المصير. من الطبيعي أن يسرح عقلك في الخيال عن رحلة قادمة أثناء ضغط عمل شديد؛ فهذه الأوهام الجانبية بالحرية والمرح تجعلنا نحتمل الواقع.

استخدام الخيال المستقبلي هو طريقةً لإدارة القلق الداخلي، وهو من أكثر ما يتأثر في الحروب والأزمات؛ لأنه حتى الأمنيات تصبح مهددة.

لم تُغلق الرحلات وحدها، فقد أُغلقت معها مساحات الهرب في الخيال، وتفاقم السؤال عن ثبات المستقبل كما نعرفه الآن، وهنا يبدأ الرابط العجيب: حين يُمنع الإنسان من الهروب، يتجه نحو الارتباط!

هذه حاجة بيولوجية للأمان، وعلم النفس يوثّقها منذ عقود.

50%

ارتفاع في طلبات الزواج خلال أول 90 يومًا من الإغلاق في فترة كورونا.
Harvard Medical School – 2021

38%

من العلاقات التي بدأت في أزمات تنتهي خلال السنة الأولى.
Journal of Social Psychology – 2022

ما الذي تُحدثه الأزمات داخل العمل؟

🔍 التدقيق على الموظفين

كلما شعر المدراء بأن العالم الخارجي في حالة فوضى، زادت محاولاتهم للسيطرة على العمل.

💥 الانهيار المؤجل

يتفاقم شعور قلة التحكم إلى درجة تجعل فكرة الاحتراق النفسي أسهل تقبّلًا؛ لأن الانهيار يبدو لعقولنا أوضح من الترقب المستمر.

❓ فراغ معنى العمل المفاجئ

تعيدنا الأزمات إلى التفكير في الأسئلة الكبرى: لماذا أعمل؟ وما الفائدة من كل هذا السعي؟

🤝 البحث عن الارتباط بجماعة

فكرة وجود مجموعة تؤمن بما تؤمن به تزيد شعورك بالأمان، حتى لو كان ذلك ضمن نظام بسيط. المهم أنك تجد من تصطف بجانبه.

ما تقوله الأبحاث

الأزمة ترفع الأوكسيتوسين بين الغرباء

توثّق أبحاث علم الأعصاب الاجتماعي ارتفاع هرمون الأوكسيتوسين — هرمون الارتباط الاجتماعي — في أعقاب الأحداث الصادمة الجماعية. يدخل الجسم تلقائيًا في وضع “الحماية بالارتباط”، مما يُفسّر التسارع العاطفي غير المبرر. في الأزمات، يكفي أن يشاركنا الآخرون التجربة نفسها حتى نشعر بالقرب منهم، حتى وإن كانوا غرباء.

🔗 Barraza & Zak (2009) — Empathy Triggers Oxytocin, Annals NY Academy of Sciences
🔗 Olff (2012) — Bonding after Trauma: the Oxytocin System, European Journal of Psychotraumatology

الغموض يُغيّر ما نبحث عنه في الشريك

تتبّعت دراسة تفضيلات الشريك المثالي على مدى 13 عامًا، وأثبتت أنها تتغير بتغير ظروف الحياة والضغوط الخارجية. في مراحل الاستقرار، يبحث الناس عن التوافق والمشترك. أما في مراحل الغموض والضغط، فتتحول الأولوية نحو الدفء والثبات والموثوقية.

🔗 Driebe et al. (2024) — Stability & Change of Partner Preferences Over 13 Years, Max Planck Institute

نظرية المرساة الآمنة في الأزمات

وضعت ماري إينزورث أساس نظرية التعلّق في الستينيات، وأثبتت أن الإنسان تحت التهديد يبحث عن “مرساة” — أي شخص يمنحه إحساسًا بالاستقرار. تُظهر الأبحاث المبنية على نظريتها أن هذا البحث يحدث بشكل تلقائي وغير واعٍ، وأن “المرساة” تُختار في الغالب بسبب التوقيت، لا بسبب التوافق الحقيقي.

🔗  Ainsworth (1969) — Attachment Theory & the Safe Haven Concept
🔗 Rice et al. (2020) — Partner Responsiveness & Attachment Security, IJERPH

كورونا والعلاقات: موجة ثم انحسار

رصد الباحثون طفرة في بدء العلاقات خلال أشهر الإغلاق الأولى، تلتها ارتفاعات ملحوظة في الانفصالات بعد رفع القيود. تُظهر الأنماط المتكررة عبر دراسات متعددة أن ما بُني على الخوف والحاجة يصعب عليه الصمود حين يتغير السياق. وتتقاطع بيانات فرنسا وكندا وأستراليا في النتيجة ذاتها.

🔗  Love under Lockdown — PMC 2023
🔗 Income, Uncertainty & Couple Stability in France — PMC 2023

تأمّل في الحب والحرب

أنت تقع في الحب بنسخة مستقبلية من حياتك مع شخص ما، وحين يصبح المستقبل بلا ملامح، يتشوّه هذا الرهان، ويصبح الحب أكثر لحظية، أقل تخطيطًا، أقل انشغالًا بسؤال: “أين نكون بعد خمس سنوات؟”، وأكثر التصاقًا بفكرة: “أنت هنا الآن، عِش!”

هذا النوع من الحب أكثر يأسًا من كونه أعمق أو أجمل.

فالأزمات لا تُنتج نوعًا واحدًا من البشر، لأن بعضهم يتفتّح، وبعضهم ينكسر، والفارق بينهما لا يُقاس بما يشعران به، وإنما بما تحوّله التجارب داخلهما.

🎧بودكاست ألان دو بوتون — عن الحب

قبل أي قرار يخص عملك أو علاقاتك خلال هذه الفترة، اسأل نفسك:
هل أنا خاااااائف أم مُختار؟

الفرق بينهما قد لا تشعر به في اللحظة نفسها، لكنك ستشعر به بعد ستة أشهر أو سنة من انتهاء العاصفة؛ فحين تشعر بالأمان، يبدأ التقييم السليم لقرارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *